# # # #
   
 
 
[ 29.12.2008 ]
ملف الهوية ـ فيصل محمد صالح


التنوع الثقافي وقضية الهوية في بروتكولات السلام

فيصل محمد صالح

كاتب وصحفي

مقدمة:

إن الأمة، كما يقول المستشرق والمؤرخ الفرنسي ارنست رينان هي "استفتاء شعبي يومي". وفي ضوء هذا التعريف الذي يصح في لبنان (والسودان..!) كما يصح في العديد من الدول والمجتمعات الأخرى، فان العيش الواحد أو حتى العيش المشترك يكون بالاحترام أو لا يكون. وهو يثمر ويزدهر بالاختيار الإرادي الحر. فالاستجابة إلى زواج الإكراه الوطني، استكانة أو قسراً، سرعان ما تنقلب إلى ارتداد وتمرد عندما تتوافر أول فرصة للانفكاك منه. ولكن عندما يقوم الزواج الوطني على الحب والاحترام والإرادة الحرة، فانه ينجب ذرية صالحة ازدهاراً واستقراراً ويرسي دعائم الوطن الصالح ويكون زواجاً شرعياً وسراً مباركاً"

محمد السماك "1"

1ـ التنوع الثقافي: التجربة العالمية

1 ـ 1: صار مصطلح التنوع الثقافي من أكثر المصطلحات شيوعاً في الوقت الراهن، ورغم أن هناك أكثر من مصطلح يستخدم ليعطي المعنى، مثل التباين والتعدد، لكن الكلمة الأولى تبدو سلبية الإشارات، بينما تستخدم الثانية ربما كإشارة كمية، لذلك يميل كثير من الكتاب لاستخدام تعبير التنوع  الثقافي للإشارة لوجود أكثر من ثقافة، ولغة ، ودين، وعرق أو عنصر في دولة واحدة، وكأن تعبير التنوع يبدو أكثر ايجابية من التعدد أو التباين. وفيما كان المصطلح يستخدم للتعبير عن الأوضاع الداخلية  للدول للإشارة لوجود أكثر من ثقافة أو لغة،دين، عرق ..الخ داخل دولة واحدة،إلا أن النقاش حول العولمة وآثارها الثقافية والاجتماعية نقل المصطلح للساحة الدولية، وصارت تستخدم للإشارة، إلى جانب حماية الثقافات المحلية، لضرورة حماية وتشجيع الثقافات الوطنية التي تكتسحها ثقافة العولمة.

وتعرف أدبيات اليونسكو التنوع الثقافي بأنه يلازم الكرامة الإنسانية ويمثل الشرط الأول للحوار بين الثقافات، أكان المنطلق من موقع الأفراد أم الجماعات أم الدول، ويتضمن في الواقع بعدين:

- يحيل في البداية إلى مختلف أشكال التعبير الثقافية، ماضية كانت (مثل التراث) أم حالية (مثل الإبداع).

- يقيم في الوقت نفسه، المعابر بين الثقافات عبر تشجيعه للفهم المتبادل وللإبداع، كرهانين على الاغتناء المشترك.

وتكفل المواثيق الدولية للدول حقها في دعم الإبداع القومي وفي بلوغ الجمهور العام للثقافات المتعددة في العالم في الوقت نفسه.

ومن المسلّم به هو أن عولمة الاقتصاد وتطور تقنيات الإعلام والاتصالات التي سهّلت انتقال الممتلكات والخدمات الثقافية، شجعت على الاحتكاك بين الثقافات وتبادلها.

مع ذلك، فإن التطور العملي لا يخدم بالضرورة علاقات ثقافية متوازنة، لأن اضطرار الحكومات والشركات لبلوغ الأسواق الشاملة، يدفع بها إلى إتباع سياسة مركزية وإلى إنتاج ممتلكات وخدمات آحادية الشكل، حتى في المجال الثقافي نفسه. وتبرر مخاطر الهيمنة والإفقار الثقافي التي تنجم عن ذلك، السعي وراء سياسة عامة من شأنها أن تضمن مختلف أنواع التعبير الثقافي وبلوغ عرض ثقافي متنوع.

لكن ظهر الآن إن هذه السياسة العامة للتعبير الثقافي مهددة اليوم لأن حرية الدول في تحديد خطواتها وتطبيقها لحفظ التنوع الثقافي ورعايته، لا تتناسب وتطبيق قواعد تحرير التجارة التي تتطلبها شروط الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، حيث أن التزامات التحرير في قطاعات الممتلكات والخدمات الثقافية تتقاطع مع أهداف التنوع الثقافي. وقد دارت نقاشات طويلة بين الدول الأعضاء في المنظمة خلال دورتي أوروغواي وكانكون.

1ـ2: مشروع الاتفاقية الدولية للتنوع الثقافي:

وقد تبلورت الحوارات حول ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي في العالم حول طرح مشروع الاتفاقية الدولية حول التنوع الثقافي. ولا غرابة أن تكون فرنسا في مقدمة الدول الداعمة لهذا الاتجاه.

وفي 2 نوفمبر 2001 تبنت الدورة الـ31 للمؤتمر العام لليونيسكو بالإجماع، إعلان اليونيسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، ومثل ذلك قفزة هامة في اعتراف المجموعة الدولية بأهمية المحافظة على التنوع الثقافي ورعايته. تضمن هذا النص عدة مبادئ وألزم اليونيسكو ودوله الأعضاء بمتابعة إكماله:

وخلال قمة التنمية المستدامة في جوهانسبيرج في سبتمبر 2002 عاود الرئيس الفرنسي جاك شيراك التأكيد على الطابع الاستثنائي للممتلكات والخدمات الثقافية والتي ليست سلعا كبقية السلع، وقال إن الثقافة "ركن رابع للتنمية المستدامة، إلى جانب الاقتصاد والبيئة والاهتمامات الاجتماعية". وأعلن عن تأييده لتبني المجموعة الدولية لاتفاقية عالمية بشأن التنوع الثقافي، تمنح قوة قانون دولي لمبادئ الإعلان الذي تبناه اليونيسكو مؤخرا. وأشار أيضا إلى أنه يعود إلى اليونيسكو  ـ كهيئة عالمية مخولة سياسيا بشكل شرعي للعمل على المسائل الثقافية  ـ  أمر تحمّل المسؤولية في هذا الشأن.

تم عرض مسودة اتفاقية، أعدت داخل الشبكة الدولية للسياسة الثقافية، على وزراء الثقافة المجتمعين في جنوب أفريقيا بين 14 و 16 أكتوبر 2002. واعتبر الوزراء أن النص يمثل قاعدة مناسبة لمتابعة الأعمال وأقروا بأن اليونيسكو هو المكان المتعدد الجانب الملائم تماما لقبول ولاستخدام الاتفاقية المستقبلية بشأن التنوع الثقافي.

خلال قمة بيروت (18-20 أكتوبر 2002)، أعلن رؤساء الدول والحكومات الفرنكوفونية بدورهم عن قرارهم بالمساهمة الجدية لتبني اليونيسكو اتفاقية دولية بشأن التنوع الثقافي. اتفاقية تكرس حق الدول والحكومات بحفظ وإعداد وتنمية سياسة دعم للثقافة وللتنوع الثقافي". وتم في ختام المؤتمر الوزاري في لوزان (12-13 ديسمبر 2002) إنشاء مجموعة عمل كلفت بالمساهمة في النقاش الدولي خصوصا في اليونيسكو.

وما يزال مشروع الاتفاقية الدولية حول التنوع الثقافي قيد النظر. "2"

1ـ3: الأهداف والحدود التي تسعى إليها الاتفاقية الدولية بشأن التنوع الثقافي:

انطلاقا من الإعلان العالمي لليونيسكو، تهدف الاتفاقية الدولية بشأن التنوع الثقافي إلى تكريس شرعية السياسة الخاصة بحفظ ورعاية التنوع الثقافي من منظار القانون، مع مفعول قانوني يجعلها إطارا مرجعيا للدول وللمنظمات المتعددة الجانب الأخرى بحيث تتيح إقامة التوازن مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة عبر معيار ثقافي.

يفترض أن تنص الاتفاقية على حقوق الدول و واجباتها في شأن التنوع الثقافي، المتوقعة على الصعيد القومي (ضمان إمكانية الدول من حفظ وتنمية سياسة مساندة للتنوع الثقافي، وحرية اختيار التدابير المناسبة، وإنشاء حيز للمنتجات الثقافية القومية، وتقديم مساعدات مالية، وتخصيص دور لمؤسسات القطاع العام وللصناعات الثقافية المستقلة) وعلى الصعيد الدولي (تعاون ثقافي دولي، تبادل المعلومات، بلوغ المنتجات الثقافية الأجنبية، رعاية التنوع الثقافي في الأماكن المتعددة الجانب، مساعدة على التنمية). كما يلزم تحديد آلية متابعة لتطبيق الاتفاقية مع جهاز لتسوية الخلافات. "3"

وحتى الدول الإسلامية سارعت للتعامل مع موضوع التنوع الثقافي فقد وافق ممثلو الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، الذين التقوا في إطار الملتقى الدولي حول التنوع الثقافي وحوار الثقافات في العاصمة الموريتانية نواكشوط، على مشروع (الميثاق الإسلامي للتنوع الثقافي) بعد مناقشته، وقرروا عرض هذا الميثاق على المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة ، والذي ستعقده المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في شهر ديسمبر المقبل في الجزائر.

ويستند (الميثاق الإسلامي للتنوع الثقافي) إلى القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ، بشأن الحوار بين الحضارات والتنوع الثقافي ، وإلى المواثيق والإعلانات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة ، والقرارات والبيانات الصادرة عن منظمة المؤتمر الإسلامي - لاسيما إعلان طهران - الذي أصدرته الدورة الثامنة لمؤتمر القمة الإسلامي ، وينسجم مع المبادئ الإسلامية للأخوة الإنسانية والعدل ، والسلام والتسامح ، والتعايش وفهم الآخر ، والانفتاح على الثقافات ، واحترام الديانات السماوية الأخرى، ومع قيم الحضارة الإسلامية ، وتقاليد الشعوب الإسلامية في علاقاتها مع الشعوب الأخرى ، والقائمة على مبدأ الاحترام المتبادل. "4"

1-4: لغة الأم:

وتحتفل منظمة اليونسكو في الحادي والعشرين من فبراير من كل عام باليوم الدولي للغة الأم. وهو تقليد بدأته هذه المنظمة منذ سنتين عملاً بموقفها الداعي إلى الدفاع عن التنوع اللغوي. وبهذه المناسبة تم تقديم الطبعة الثانية من «أطلس اللغات المهددة في العالم». ويتيح هذا الأطلس تحديد المواقع الساخنة التي يكون فيها التنوع الثقافي واللغوي في حالة خطر.

وبالاستناد إلى الأطلس المذكور، هناك اليوم ثلاثة آلاف لغة مهددة بالخطر في العالم، بمستويات مختلفة، أي ما يعادل نصف لغات كوكبنا. ويعتبر العلماء أن اللغة تدخل مرحلة الخطر حين يتوقف أكثر من ثلاثين في المائة من أولاد الجماعة الناطقة بها عن تعلمها. فقد توارى عدد كبير من اللغات في القرون الثلاثة الماضية، لا سيما في أمريكا واستراليا.

ويقول مدير عام اليونسكو كويشيرو ماتسورا في الرسالة التي وجهها بهذه المناسبة "في هذا اليوم الدولي للغة ألأم، علينا أن ننظر إلى كل اللغات نظرة مساواة لان كل واحدة منها هي جواب فريد للشرط الإنساني، كما هي تراث حي يستحق العناية." "5"

خطاب الهوية والتنوع الثقافي في السودان

2-1: نستطيع القول الآن أنه صار هناك اتفاق عام ، إن لم يكن كاملاً ، بين جميع القوى السياسية والتيارات الفكرية السودانية على أن السودان بلد متعدد الثقافات والأديان والإثنيات والأعراق، وإن أي نظام للحكم لايستصحب هذه التعددية في برامجه وسياساته إلى جانب التعددية السياسية، محكوم عليه بالفشل. لكن لم يصل السودانيون لهذا الاتفاق بين ليلة وضحاها، إنما استغرق الأمر رحلة طويلة من النزاعات والحروب وتجاذب القراءات السياسية لأصل النزاع وطبيعته.

في ورقة سابقة قدمتها في الندوة التي نظمها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام بالتعاون مع مركز الدراسات السودانية بالخرطوم في الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي بالقاهرة والتي ناقشت مستقبل السودان في ظل اتفاق السلام، وحملت عنوان "الأبعاد المتعددة للصراع بين جنوب وشمال السودان" "6" ذهبت للقول إن جوهر الصراع في السودان ظل يحمل فى داخله عناصر الثبات والتحول . فالثابت فيه هو عدم تحقيق الإشباع السياسي ـ الثقافي ـ الاجتماعي والاقتصادي للكيانات والجماعات التي تمثل جنوب السودان خلال كل مراحل النزاع، وتصورات الحلول المطروحة ، منذ مابعد مؤتمر جوبا (1947) وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان (1955) مروراً بمؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر (1965 ـ 1968) ، واتفاقية أديس أبابا (1972) وحتى المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية (1983ـ 2002) .

وتحقيق الإشباع رهن بمخاطبة الحاجات المتزايدة والمتحولة ، كشأن الطبيعة الإنسانية . فالحاجات التي صاغ منها القادة السياسيون للجنوب مطالبهم من برلمان 1955 (وعد بالفيدرالية ) ليست هي الحاجات التي دفعت قادة حركة " أنانيا 1" لرفع السلاح بعد ذلك. ومع تطور المجتمع فى الجنوب ، تطورت الحركة السياسية ، وتطورت الحاجات والمطالب بالشكل الذي عكسته برامج الحركة الشعبية لتحرير السودان والتنظيمات الأخرى، وهذا هو المتحول.

وقد تعددت المداخل التي تحاول تفهم جذور المشكلة السودانية، بتعدد الرؤى. وبينما كانت تسود الساحة ، ربما حتى الثمانينيات ، مداخل آحادية الرؤية ، فقد تضاؤل الآن فرص هذه المداخل ، واتجهت الدراسات الأكاديمية والسياسية إلى تبنى مداخل متسعة الرؤى ، تنظر للمشكلة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،والثقافية ، مستصحبة فى ذلك التاريخ والجغرافيا وكل العلوم الاجتماعية الحديثة.

ورغم هذا فقد احتل المدخل الثقافي، الذي يركز على قضية الهوية، موقعا متقدما، وسيطر خطابه على الساحة في الفترة الأخيرة. وسواء اتفق المرء على أولوية سؤال الهوية أم لا ، فإنه لا يستطيع تجاهل هذا السؤال. وزاد من قوة هذا الخطاب بروز قضية دارفور بكل تعقيداتها، وتفجر الأوضاع في شرق السودان وبوادر العمل المسلح في كردفان. حيث أن مشاكل هذه المناطق تطرح بقوة سؤال الهوية والتنمية غير المتوازنة كسبب مباشر لتفجر الحروب والأزمات.

2ـ 2 : تطور خطاب الهوية:

ورغم أن الظهور المدوي لهذا الاتجاه يؤرخ له بمنتصف الثمانينيات ، إلا أن كتابات بعض المثقفين الجنوبيين الذي ينتمون لتيار القومية الجنوبية (الانفصاليون) ترجع إلى نهاية الستينات (أوليفرالبينو "7" ) . وظل هذا الاتجاه يتبنى فكرة أن بالسودان هويتين متعارضتين لايمكن أن تتعايشان، وأن لكل منهما نمط من القيم والسلوك مختلف عن الآخر: الهوية العربية الإسلامية في الشمال والهوية الأفريقية في الجنوب. وأن أي تعايش مشترك في وطن واحد سينتج عنه محاولة المجموعة المسيطرة على مفاصل الدولة فرض هويتها على المجموعة الأخرى مما يعني وجود نزاع مستمر واستمرار الحرب إلى ما لانهاية. وكان خيار الانفصال وتأسيس دولة مستقلة هو الحل الوحيد عند هذا الاتجاه.

إلا إن جيلا جديدا من المفكرين والكتاب من الجنوب والشمال أخذ ينحو منحى آخر ، فهو رغم إقراره بوجود هويتين أو أكثر في السودان ، إلا أنه أقر بإمكانية التعايش المشترك ، وبدأ يروج لنظرية الانصهار القومي . وفى هذا يقول أحد رواد هذا الاتجاه وهو الكاتب والمفكر فرانسيس دينق "لايمكن القطع بثنائية التركيب الثقافي أو العنصري للسودان على أساس شمال ـ جنوب ، بالتالي فثمة أساس قوى للوحدة وبناء الأمة ، وتبقى المشكلة في أن التاريخ السياسي هو الذي أكد على عناصر الانقسام ، ودعم إحساس عدم الثقة والعداوة " "8"

ويمكن أيضاً اعتبار مدرسة الآفروعربية ، ووجهها الأدبي مدرسة " الغابة والصحراء" من بناة هذا الاتجاه ، وظهر هذا في تنظير مباشر وكتابات عبر الصحف ، وفى الأعمال الأدبية لهؤلاء الكتاب (محمد عبد الحي ـ صلاح أحمد إبراهيم ـ محمد المكي إبراهيم – النور عثمان أبكر ) . "9"

ثم تطورت مواقف البعض ، من نظرية الانصهار القومي ليتبنى نظرية التعدد الثقافي "الوحدة في التنوع" باعتبار أنه لايشترط أن تندمج الهويات في هوية واحدة ، وإن من الممكن أن تتعايش الهويات المختلفة بمبدأ التسامح وقبول الآخر والتعايش المشترك . وهو مايلاحظه حلمي شعراوي في مقال عن المسألة السودانية.. " لقد كان ثمة توجه للاتجاه الصحيح نحو الجنوب ، مدعوماً بحركة ثقافية نشطة فى الشمال خلال السبعينات لدى جيل الباحثين والكتاب الشبان وبدأت سيادة فكرية لمبدأ التنوع في الوحدة واحترام ذاتية الجنوب "10"

2-3: خطاب المركز والهامش:

ظلت كل هذه الاتجاهات تتعامل مع المشكلة من خلال ثنائية الشمال والجنوب ، الثقافة العربية الإسلامية في الشمال والثقافة الإفريقية في الجنوب ، الإسلام في الشمال والمسيحية والأديان الإفريقية في الجنوب ، الصحراء في الشمال والغابة في الجنوب، بكل مايعنيه ذلك من اختلاف في المناخ والبيئة. حتى ظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان عام1983 فطرحت رؤية جديدة تخرج بها من إطار هذه الثنائية التقليدية، وخرجت ملامح نظرية المركز والهامش . وهى كما يلاحظ كثير من الكتاب والمفكرين ، خرجت من كتابات المفكر العربي سمير أمين عن التطور اللامتكافئ للنظام الاقتصادي العالمي ، وقد تمت استعارتها بالتركيز على الجانب الثقافي .

ويمكن تلخيص هذا الاتجاه في عدة نقاط :

2-3-1: المعركة ليست بين الشمال والجنوب، لكن بين تصور قديم للدولة السودانية تستفيد منه الطبقة الحاكمة في الشمال (المركز) ، وبين جماعات إثنية وثقافية ودينية مهمشة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا (الهامش). فهذا التصور القديم يخدم ويحمي المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للمجموعة العربية الإسلامية في (الوسط والشمال النيلي) ويكرس إقصاء باقي المجموعات.، وقد وصلت الأزمة إلى قمتها مع حكم الجبهة الإسلامية، التي تمثل عندهم أقصى ما يمكن أن يصله البرنامج الإقصائي

2-3-2:حل الصراع يتم عبر هدم أو فكفكة بنية النموذج القديم للدولة السودانية التي تكونت في ظروف سياسية وتاريخية معينة، وبإرادة وأيدي غير سودانية ( فتوحات محمد علي باشا وتوسعات الحكم الثنائي ) وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تحقق العدالة والمساواة عبر عقد اجتماعي سياسي ثقافي اقتصادي جديد.

2-3-3: هذه الحركة انطلقت جغرافيا ومكانيا من الجنوب، لأن الظروف الموضوعية للثورة توفرت في الجنوب، لكنها ذات برنامج وأفق وطني عام، وتهدف لبناء تحالف القوى المهمشة الذي سيبني السودان الجديد. فالجنوب هو الهامش الذي استيقظ وتحرك لاعتبارات كثيرة، لكن حركته توقظ هوامش كثيرة تدفعها المصلحة المشتركة للتحالف.

2-3-4: يؤشر هذه الاتجاه، بشكل مباشر، أو غير مباشر لفشل الأحزاب والأوعية السياسية القديمة في التعبير عن مصالح الجماهير العريضة/الأغلبية المهمشة، ويبشر بأوعية جديدة تمثل هذه المجموعات ، بدأت بالحركة الشعبية ، مؤتمر البجا، جبال النوبة، جنوب النيل الأزرق، وامتدت إلى الحركات المسلحة في دارفور وتتطلع لحركة النوبة في الشمال "حركة كوش الديمقراطية". "11" وقوى السودان الجديد في الوسط والشمال النيلي.

وقد عكست الحركة الشعبية هذه المفاهيم في مانيفستو الحركة (1983) والبيان التأسيسي (1984) ثم وثيقة الرؤيا والبرنامج (1998)، بالإضافة لخطابات وحوارات قائد الحركة جون قرنق وقياداتها وكتابها "باقان أموم ، ستيفن وندو، ياسر عرمان، منصور خالد". "12"

2-4: قوى الهامش

ولم يتوقف مفهوم المركز والهامش عند قادة الحركة الشعبية التي لم يتح لها العمل السياسي والعسكري الفرصة للتأطير النظري والفكري لهذا الاتجاه، فقد تلقفته أيادي وعقول كثيرة، خاصة بين مثقفي الشمال، وعملت على تطويره، حنى صارت كتابات بعضهم بمثابة برنامج سياسي لبعض التنظيمات السياسية ، مثل ورقة "جدل المركز والهامش" للدكتور أبكر آدم إسماعيل "13" ، ودراسات محمد جلال هاشم "14"، التي يتبناها تنظيم مؤتمر الطلاب المستقلين واسع الانتشار في الجامعات السودانية، وكتابات مصطفى شركيان "15".

وقد قوى هذا الاتجاه بعد بروز الحركات المسلحة في شرق السودان ودارفور وكردفان، وصارت مقولة التهميش كافية كتبرير للعمل المسلح وبديل عن أي خطاب سياسي مفصل.


3- التنوع الثقافي والهوية في بروتكولات السلام

بغرض رصد وبحث معالجة الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان لقضية الهوية والتنوع الثقافي في السودان، تم إخضاع هذه الاتفاقيات للدراسة، وهي: "16"

بروتكول مشاكوس الذي تم توقيعه في 20 يوليو 2002 م

بروتكول تقسيم السلطة الذي تم توقيعه في 26 مايو 2004

بروتكول وضع منطقة آبيي 26 مايو 2004

بروتكول وضع إقليمي جنوب كردفان / جبال النوبة والنيل الأزرق 26 مايو 2004

بينما لم تكن هناك إشارات ذات صلة بقضيتي الهوية والتنوع الثقافي في بروتكول تقسيم الثروة الموقع في الأول من يوليو 2004، أو بروتكول وضع آبيي. وكانت هذه نتيجة الرصد:


3-1- بروتكول مشاكوس

3- 1-1: في المقدمة التي تتضمن المبادئ العامة التي اتفق عليها الطرفان، جاءت كثير من النقاط التي تنطبق على مسألة التعدد والتنوع الثقافي كما تنطبق على غيرها، فقد تحدثت إحدى النقاط عن رغبة الطرفين في حل النزاع في السودان بشكل دائم وعادل عبر مخاطبة جذور المشكلة وإيجاد نظام حكم يضمن تقاسم السلطة والثروة.

وتشير نقطة أخرى إلى الظلم التاريخي وعدم المساواة والعدالة في التنمية الذي طال بعض أجزاء القطر

3-1-2: ويقول الجزء الأول من البرتوكول الذي يحمل الرقم "أ"

إن وحدة السودان القائمة على الاختيار الحر، النظام الديمقراطي، المحاسبية، المساواة، الاحترام والعدالة لكل مواطني السودان يجب أن تكون لها الأولوية عند كل الأطراف،(1-1)

إن شعب جنوب السودان لديه الحق في السيطرة على وإدارة شؤونه في منطقته وحق المشاركة في الحكم القومي (1-3)

إن الدين والأعراف والعادات والتقاليد هي مصدر غنى روحي والهام لكل السودانيين (1-4)

إن السودانيين يتشاركون في تراث وتقاليد عامة، وبناء عليها فقد اتفقوا على (1-5)

إقامة نظام ديمقراطي للحكم يراعي التنوع الثقافي، العرق، الإثني، الديني واللغوي، ومساواة النوع، لكل السودانيين (1-6)

إيجاد حل شامل يخاطب التدهور الاجتماعي والاقتصادي في السودان، ويستبدل الحرب، ليس فقط بالسلام، ولكن بالعدالة الاجتماعية السياسية والاقتصادية التي تحترم الحقوق الإنسانية والسياسية لكل السودانيين (1-7)

صياغة وتطبيق اتفاق سلام يجعل وحدة السودان خياراً جاذباً خاصة لشعب جنوب السودان (1-10)

3-1-3: في القسم "ج" الذي يحمل عنوان هياكل الحكم هناك فقرتان عن القوانين التي ستحكم شطري القطر تقول:

يجب إقامة حكومة قومية "وطنية" تمارس المهام المشار إليها -في فقرات سابقة- وتشرع القوانين الضرورية التي تطبقها حكومة ذات سيادة على المستوى القومي. ويجب أن تراعي الحكومة القومية عند سن قوانينها التنوع الديني والثقافي في السودان (3-2-1)

كل القوانين التي يتم سنها قومياً لتطبق على الولايات غير الجنوبية يكون مصدرها الشريعة والإجماع.(3-2-2)

كل القوانين التي يتم سنها قومياً لتطبق على ولايات جنوب السودان أو إقليم جنوب السودان تستمد مصادرها التشريعية من الإجماع الشعبي والعرف وعادات الشعب السوداني بما في ذلك التقاليد والعقائد الدينية التي تعكس التنوع في السودان (3-2-3)

في المناطق التي يتم فيها حاليا تطبيق قوانين قومية مستمدة من الشريعة أو العرف، إذا كانت أغلبية سكان الولاية آو الإقليم لا تعتنق هذا الدين أو العرف، فان من حق هذه الولاية، أو الإقليم، أما استحداث تشريعات تسمح بوجود مؤسسات وممارسات تتماشى مع الدين أو العرف الذي يعتنقونه،أو إعادة القانون إلى مجلس الولاية لإجازته بثلثي الأصوات، أو سن تشريع وطني جديد يسمح للمؤسسات والممارسات البديلة. (3-2-4).

3-1-4: علاقة الدين بالدولة:

- تنص مقدمة هذا الجزء على أن هناك اتفاق بان السودان بلد متعدد الثقافات والأعراف والعناصر والديانات واللغات، وعلى أن الدين يجب أن لا يستخدم كعامل انقسام، وبناء على هذا فقد اتفق الطرفان على أن الأديان والمعتقدات والعادات والتقاليد هي مصدر ثراء روحي والهام لكل السودانيين (6-1)

- يجب التأكيد على حرية الاعتقاد والعبادة لمعتنقي جميع الديانات والمعتقدات والتقاليد والأعراف ويجب ألا يتم ممارسة أي تمييز على هذا الأساس (6-2)

- يجب أن تكون أهلية تولي المناصب العامة، بما في ذلك الرئاسة، والخدمة العامة والتمتع بكل الحقوق والواجبات قائمة على أساس المواطنة وليس الدين، أو المعتقد (6-3)

- كل القضايا والشؤون الشخصية والعائلية، بما في ذلك الزواج والطلاق والميراث، يمكن أن تستند على قوانين الأحوال الشخصية، وبما في ذلك الشريعة أو القوانين الدينية والأعراف والمعتقدات الأخرى . (6-4)

واتفق الطرفان على احترام الحقوق الآتية :

حق العبادة والتجمع لأنصار الديانات والمعتقدات وحق تأسيس وإقامة أماكن لهذه الإغراض.

تأسيس وإنشاء منظمات خيرية لهذا الغرض.

حق الدعوة، والكتابة والنشر والتواصل الإعلامي مع الآخرين، وتدريس الدين في أماكن مناسبة.

جمع والحصول على المساعدات المالية.

تدريب وتعيين وتوكيل وانتخاب الزعماء والقادة الممثلين لهذه الأديان والمعتقدات.

مراعاة واحترام أيام العطلات والاحتفالات الدينية

لقطع الشك : يجب أن لا يتعرض أي شخص للتمييز من قبل الحكومة القومية، الولائية، أو المؤسسات أو المجموعات على أساس دينه أو معتقداته . (6-5).

3-2: اتفاق قسمة السلطة الموقع في 26 مايو 2004م

- تجيء الإشارات المتعلقة بالتنوع الثقافي في السودان في أجزاء متفرقة من الاتفاق.

3-2-1: ففي البند الخاص بحقوق الإنسان والحريات الأساسية (1-6) هناك نص عن الالتزام بالمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ( 10 معاهدات من بينها الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب(1-6-1)

ثم تشير المواد الأخرى لاحترام الحريات الشخصية وحق الحياة ومنع العبودية والعمل القسري واحترام الخصوصية (1-6-2-6)، وحرية الفكر والضمير والدين (1-6-2-7)

وحرية التعبير (1-6-2-8) والحرية ضد التمييز . ويقول هذا النص :

"سوف يمنع القانون أي تمييز ويضمن لكل الأشخاص حماية متساوية فعالة ضد التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو السياسة أو الرأي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الممتلكات أو الولادة أو أي وضع آخر.(1-6-2-13).

3-2-2 : وهناك بند خاص عن الحقوق المتساوية للرجال والنساء :

"سيتم تأكيد الحقوق المتساوية بين الرجال والنساء كما هو مبين في المعاهدات الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية، وكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتضمنة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سوف تكفل وتصان.

3-2-3: حقوق الإنسان والحريات الإنسانية المتضمنة في المعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية سوف تضمن أيضا في الدستور القومي المؤقت. لن يحدث أي انحراف عن هذه الحقوق والحريات حسب الدستور أو المعاهدة إلا بموجب البنود المتضمنة فيها وموافقة الرئاسة والمجلس التشريعي القومي، كما يتطلب البند (2-3-14)

- هذه الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية سوف تتم مراقبتها بواسطة مفوضية حقوق الإنسان المحددة في فقرة (2-10-1-2) و (1-6-2-16).

3-2-4: العاصمة القومية:

تجيء إشارات أخرى في هذا البند ذات صلة بالتنوع الثقافي السودان، منها:

-ستكون الخرطوم عاصمة جمهورية السودان وستكون العاصمة القومية ورمزاً للوحدة الوطنية التي تعكس التنوع في السودان(2-4-1).

- حقوق الإنسان والحريات الأساسية كما هو موضح في بروتكول مشاكوس وفي هذه الاتفاقية، بما في ذلك احترام كل الأديان والمعتقدات والعادات، سيتم ضمانها وتطبيقها في العاصمة القومية وفي جميع أنحاء السودان، وسوف يتم تضمينها في الدستور القومي المؤقت (2-4-3).

- وكالات تطبيق القانون في العاصمة سوف تمثل سكان السودان وسوف تكون مدربة بالقدر الكافي، وستضع في حسبانها التنوع الثقافي والديني والاجتماعي لكل السودانيين.

ويشتمل البند الخاص بموجهات نشر العدالة وإنفاذ القوانين في العاصمة القومية (2-4-5-1) على نقاط عديدة تحدد أن التسامح هو أساس التعايش بين السودانيين

السلوك المبني على الممارسات والعادات الثقافية والذي لا يسبب إزعاجا للنظام العام سوف لن يكون محتقراً من أصحاب العادات والتقاليد الأخرى أو منافياً للقانون أو مسبباً للإزعاج العام وسوف يعتبره القانون ممارسة للحريات الشخصية.(2-4-5-2)

الخصوصية الشخصية لا يمكن انتهاكها وأي دليل ينتج عن انتهاكها سوف لن يكون مقبولاً في المحاكم (2-4-5-3)

ثم عدة مواد أخرى عن حقوق غير المسلمين أمام المحاكم، وتصل للنص على تعيين مفوض خاص للتأكد أن حقوق غير المسلمين محمية (2-4-6).

3-2-5: الخدمة المدنية: (2-6)

-كذلك تناولت بعض المواد المتعلقة بالخدمة المدنية المساواة وإتاحة الفرص لكل أبناء السودان ومعالجة الاختلالات وعدم التوازن. المواد من (2-6-1) إلى (2-6-2-2).

3-2-6: اللغة:

تتناول المادة (2-8) في اتفاقية قسمة السلطة مسألة اللغة في خمس مواد:

كل اللغات المحلية تعتبر لغات وطنية ويجب احترامها وتطويرها وترقيتها (2-8-1)

اللغة العربية تعتبر لغة التخاطب القومية المنتشرة على نطاق واسع في السودان (2-8-2)

العربية كلغة رئيسية على المستوى القومي، والإنجليزية، سوف تعتبران لغتين للعمل الرسمي لإدارة الحكومة القومية، ولغتي الدراسة في مؤسسات التعليم العالي (2-8-3)

إضافة للعربية والإنجليزية، يمكن للأجهزة التشريعية في المستويات الأدنى تبنى أي لغات وطنية أخرى كلغات إضافية للعمل الرسمي في كل مستويات حكمها.(2-8-4)

سوف لن يكون هناك أي تمييز ضد استعمال أي من اللغتين في أي مستوى حكم أو تعليم

3-2-7: السياسة الخارجية:

تحدد الاتفاقية الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية للسودان في خمس نقاط، تتوسطها نقطة تقول

العمل لتحقيق التكامل الإفريقي والعربي، كل في إطار الخطط والمنابر الإقليمية القائمة، إضافة لتطوير الوحدة الإفريقية والعربية والتعاون الإفريقي والعربي.

3-3: بروتكول وضع إقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة والنيل الأزرق:

3-3-1: تنص المقدمة على اتخاذ جنوب كردفان/ جبال النوبة، النيل الأزرق كنموذج لحل مشاكل القطر، وعلى أن المواطنة ستكون هي قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين السودانيين بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم.

3-3-2: وبالتركيز على أهمية الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي في السودان كمصدر قوة ووحدة.

3-3-3: وبالتأكيد على المساواة والنزاهة، التنمية الاقتصادية، الرفاه الاجتماعي، والاستقرار كأهداف عليا لكل السودانيين بشكل عام، ومواطني المناطق المتأثرة بالحرب بشكل خاص.

3-3-4: ثم تمضي الاتفاقية لتحديد الأسس العامة التي تقوم عليها التسوية:

ضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية (1-1)

حماية وتطوير التراث الثقافي المتنوع للسكان ولغاتهم المحلية (1-2)

ثم ضمن صلاحيات حكومة الولايتين (جدول أ) تأتي الشؤون الثقافية (9) والقوانين العرفية والتقليدية (33).


4- ملاحظات على الاتفاقيات:

4-1: لم تغرق الاتفاقيات نفسها في جدال نظري، ولم بكن هذا مطلوبا منها، وإنما اتجهت مباشرة إلى تقديم المعالجات لبعض القضايا.

4-2: يمكن القول بأن الاتفاقات قد أسست قاعدة قوية لنظام دستوري وقانوني يحترم حقوق الإنسان ويجعلها جزءا من الممارسة السياسية اليومية، خاصة فيما يتعلق بمنع التمييز وجعل المواطنة هي أساس الحقوق وحرية العبادة والاعتقاد.

4-3: تبدو كثير من فقرات الاتفاقيات كحلول انتقالية لتناسب المرحلة الأولى، ولكنها تحتاج لتطوير وتعديل إذا ما أريد منها الإجابة على هذه الأسئلة بشكل جذري.

4-4: كانت ثنائية شمال/ جنوب هي أساس الحلول لكثير من القضايا الشائكة "القوانين – النظام المصرفي- علاقة الدين بالدولة...الخ" وهو ما يعرضها لكثير من النقد على أساس تنكرها لجوهر خطاب الحركة الشعبية "الأساس الوطني للحركة ـ المركز والهامش  ـ السودان الجديد". وحتى عندما أصرت الحركة الشعبية على إعطاء وضع خاص لجبال النوبة والنيل الأزرق كان المبرر هو وجود قواتها الفعلي بها وقتال أبناء هذه المناطق في صفوف الحركة.

4-5: لم تستخدم الاتفاقات أي عبارات مباشرة عن الهوية، وإنما اكتفت في الحديث عن السياسة الخارجية بالإشارة للتوازن في العلاقات العربية  ـ الإفريقية. كما نصت على التنوع الثقافي، العرقي، الإثني، الديني واللغوي، ومساواة النوع، لكل السودانيين.

4-6: أفرزت فقرة خاصة باللغة ، حددت اللغة العربية كلغة قومية وشرعت اللغة الإنجليزية كلغة مستخدمة على قدم المساواة مع اللغة العربية في التعليم العالي والأداء الحكومي على المستوى القومي. وجاءت الإشارات للغات السودانية الوطنية في فقرة أعطت المستويات الأدنى من الحكم حق اعتماد واستخدام اللغات الوطنية.

5- ملاحظات عامة على خطاب الهوية:

5-1: يلاحظ أنه ومع الجهد الكبير الذي يبذل في هذه الدراسات والكتابات التي تنظر لموضوع الهوية ، ومنها مدرسة المركز والهامش، والخطاب السياسي للمجموعات المسلحة في الشرق والغرب ،إلا أنها في النهاية لا تخرج عن مدرسة "الوحدة في التنوع"، أي تطرح حلولها في إطار الاعتراف المتبادل والتعايش بين الإثنيات والهويات والثقافات المختلفة في السودان، وذلك عبر عقد اجتماعي جديد يعيد توزيع السلطة والثروة ويكرس قيم المساواة والعدالة. هكذا تذهب بروتوكولات السلام الموقعة بين الحكومة والحركة الشعبية. وفي ذلك أيضا يرى أبكر انتصار القوى المهمشة في "تأسيس الأوضاع بشروط جديدة تستند على حقيقة التعددية وتلتزم بتوجهات العدالة والمساواة والتعايش السلمي، والارتفاع بقضية الهوية المشتركة ـ هوية الدولة ـ من الظرفية إلى التاريخ أي لكل هويته والدولة للجميع حتى يحكم التاريخ في مسألة الذاتية السودانية" "17" .

ولا يذهب محمد جلال بعيدا من هذا التصور حين يقول عن الطرف الذي يدعو له "أما الطرف الثالث الذي يمثل وسط الاستقطاب الأيديولوجي فهو الدعوة إلى قيام دولة مؤسسات وفق ديمقراطية تعددية تستند أساسا على واقع التعدد الثقافي، على أن يبدأ هذا المشروع بالخطوات التنفيذية لإيقاف سياسة الآحادية الثقافية التي تمارسها مؤسسة الدولة في السودان منذ الاستقلال مرورا بجميع الأنظمة والحكومات. إن هذا التيار الأيديولوجي يستند في تأسيساته على أن مؤسسة الدولة مسئولة عن تحريك ماكينة القهر والاضطهاد الثقافي جراء عدم اعترافها بمسئولياتها تجاه الثقافات غير العربية في السودان. إن هذا الأمر يقتضي مراجعة التعليم لغة ومضمونا، كذلك النشاط الثقافي والفكري، فضلا عن الإعلام، وما يتبع كل ذلك من سياسات اقتصادية وقومية …الخ". "18". وهذا يعني أن من الممكن الاختلاف مع هذه التيارات والمدارس في التحليل، والاتفاق معها في النتائج المطروحة كحلول.

5-2: لكن يناقض بعض الكتاب والناشطين السياسيين أنفسهم، عندما يبدأون وينهون أي نقاش عن الهوية بحكاية نفي عروبة الشماليين، أو على الأقل تصورات السودانيين الشماليين عن عروبتهم "19". وأظن أن في هذا تنفير من مشروع الوحدة في التنوع والتعددية الثقافية. فالمفروض أن هذا المشروع يقوم على أنقاض الهيمنة ونفي الآخر والآحادية الثقافية، وليس على أنقاض عروبة شمال السودان بالضرورة. وإن كان موضوع العروبة في شمال السودان يبقى موضوعا مفتوحا للجدل في كل حين.

وكما يلاحظ عبد العزيز حسين الصاوي فإن " التعميمات غير المتبصرة حول مسؤولية العرب والمسلمين متوفرة بكثرة في هذه الكتابات، إدانة الشعب وهويته القومية والدينية المضمرة في العجز المتكرر عن التمييز بينه وبين الفئات السياسية والاجتماعية العربية الإسلامية التي تشكل سلطة اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، تجريد الشماليين من سودانيتهم.." "20" ويتحدث البعض عن "سودان أفريقي الثقافة مع استيعاب شمالي الوسط العربي المسلم فيه" .. ، ويذهب بعضها للقول إن هذا هو الخيار الوحيد أمام الشماليين ..وإلا فإن عليهم أن يحزموا أمتعتهم ويمتطوا إبلهم عائدين من حيث أتوا.

5-3: الحديث عن القهر والإقصاء " كجوهر في الثقافة العربية الإسلامية" يأتي كمسلمة في كثير من كتابات الهوية دون أي استدلالات حقيقية. فمجرد انتشار اللغة والثقافة العربية الإسلامية في مناطق كثيرة مع انحسار لغات وثقافات محلية يعتبر اقصاءا وهيمنة، دون الاستعانة بالدراسات اللغوية والاجتماعية الحديثة والمقارنة التي توضح وتدرس وتشرح، ودون دراسات مقارنة مع ظروف متشابهة في دول أفريقية أخرى ، تراجعت لغاتها واندثر بعضها لصالح اللغتين الإنجليزية والفرنسية، دون أن تكون إحدى هاتين اللغتين بمثابة لغة محلية لأي من المجموعات الوطنية. كما يتم إدانة دور التاجر الشمالي العربي الجوال "الجلابي" في نقل كثير من المناطق من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد السوق، وذلك على أسس ومحاكمات أخلاقية لا علاقة لها بعلم الاقتصاد. و هم حين يحاكمون الهوية العربية الإسلامية، " يخلعون الدور الذي لعبته تجلياتها الفكرية – السياسية القائدة في أوقات مختلفة إزاء تلك الكيانات (غير العربية والإسلامية) من حوامله التاريخية، بحيث يبدو نابعا من جوهر ثابت في هذه الهوية كخصائص حضارية" "21".

5-4: يبدو الحديث عن فصل الدين عن الدولة ، وكأن المقصود به فصل الإسلام – فقط- عن الدولة. فعلاقة الدين بالدولة والسياسة في الجنوب وجبال النوبة مثلا لم يتم التعرض له ومناقشته. والدور الذي لعبته، ومازالت تلعبه، الكنيسة في السياسة الجنوبية، وحتى في الحركة الشعبية يبدو مقبولا ومسلما به. ولايغيب ممثلو مجلس كنائس السودان الجديد عن أي محفل سياسي جنوبي خارج السودان. وكثيرا ما يلاحظ المشاركون في الندوات والمؤتمرات التي تعقد في كمبالا ونيروبي أن أكثر الآراء تطرفا تأتي من ممثلي هذا المجلس.

5-5: يبدو في كثير من الأحيان أن بعض هذه الحركات يستخدم خطاب التهميش، والاستعلاء من الجانب الآخر، للتحريض السياسي فقط، فليس هناك جهد حقيقي من هذه الجماعات في اتجاه الاحتفاء بالثقافات واللغات السودانية المحلية. ويلاحظ كمال الجزولي في مقال بالغ الأهمية إن صفوة المجموعات الثقافية السودانية الموسومة بالمهمشة، لا تحتفي كثيرا بلغاتها المحلية، وقد تستنكف الحديث بها. وعندما أتيحت للحركة الشعبية السيطرة على بعض مناطق جبال النوبة، قامت بثورة تعليمية ، كما أسمتها ، أحلت فيها اللغة الإنجليزية محل اللغة العربية في التعليم..! "22". ويزيد هذا الأمر من العبء الملقى على عاتق منظمات المجتمع المدني لكي تتولى جانب الاعتناء بالثقافات واللغات المحلية وطرح برامج للتوثيق لها وتطويرها.

5-6: اتجه البعض، ومنهم محمد جلال إلى إعطاء مفهوم عرقي لليمين واليسار ..فكل من يقول بالانتماء للثقافة العربية الإسلامية في السودان هو يميني ...وغاية ما يحققه من تقدم أن يصبح يمين الوسط، وكل القوي الجهوية والإقليمية سواء التي تنادي بسودان جديد أو بالانفصال هي يسارية رغم أنفها، سواء رغبت أم لم ترغب، درت أم لم تدري ...فهذا موقف منفصل عن الوعي ...رغم أن الماركسية التقليدية حين ربطت الموقف الأيدلوجي بالوضع الطبقي، عادت وأضافت مفهوم الوعي الطبقي، أما عند محمد جلال فالوعي هنا غير وارد. ويتم هذا الأمر دون دراسة لتركيبة الحركات الإقليمية والجهوية وطرحها الفكري والسياسي، وبعضها اختار تراتبية القيادة فيه على أساس قبلي، وبعضها يتعرض لنزاعات وانشقاقات على الأساس القبلي "مؤتمر البجا أكثر من مرة ، وحركة تحرير السودان التي يتفاقم فيها النزاع والانشقاق بين مجموعة الزغاوة بقيادة مني اركو مناوي ومجموعة الفور التي يتزعمها عبد الواحد محمد نور، بما يعني أنها تنتج هي نفسها صراع المركز والهامش بمستوى مختلف. أما داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان فيمكن مراجعة كتابات بيتر أدوك نيابا، لام أكول ، وكتاب "حرب إيما" الذي يكشف البعد القبلي والديني للحرب والصراع بين الدينكا والنوير "23" ، كما يمكن مراجعة اتفاقية أونليت بين الدينكا والنوير التي تكشف نقاطها عن وجود عمليات الاختطاف القسري والأسر الذي لا يسمى هنا رقا مثلما يحدث في حالة الدينكا والرزيقات مثلا "24".


التنوع الثقافي ..لا الانصهار القومي

6-1: تعلمنا دراسة تجارب الشعوب المختلفة إن وحدة الجنس أو اللون أو اللغة ليست ضرورة حتمية لا يتحقق التفاهم بدونها. لذلك لا بد، من اجل إقامة علاقات مبنية على التفاهم والاحترام، من الحوار على قاعدة هذه الاختلافات، والتي يكشف العلم إنها موجودة حتى في الجينات الوراثية التي تشكل بعناصرها شخصية كل منا وتمايزاتها.

6-2: في ضوء هذه المبادئ العامة التي تقول بها الثقافة السياسية المعاصرة نكتشف أنه ليس صحيحاً إن الدول لا تقوم إلا على هوية واحدة. هناك دول انهارت مثل هايتي، أو تفتتت مثل كوريا ، أو انقسمت مثل باكستان رغم وحدة الهوية واللغة والجنس والدين. وهناك دول قامت وازدهرت رغم تعدد هوياتها، كالولايات المتحدة مثلاً التي، رغم أن مجتمعها قائم على الهجرة، أي على تلاقي جماعات وافدة من أديان ومن ثقافات ومن أجناس مختلفة ومتباينة. فقد تراجعت عن تمسّكها بشعار "البوتقة الوطنية" (National Crucible) والانصهار القومي في ثقافتها العامة. فالأسبانية كلغة وكلسان ثقافي بدأت تنافس الإنجليزية في معظم الولايات المتحدة. ولقد منحت مقاطعة كيبيك في كندا حق استخدام وسائل قسرية لمنع سيطرة اللغة الإنجليزية في المقاطعة على حساب اللغة الفرنسية التي تعتبرها المقاطعة لغتها الأم.

6-3: بل أن بعض الدول الأوروبية التي تبدو ظاهرياً موحدة الهوية لم تكن كذلك. فشعوب الغال في فرنسا لم تصبح أسلاف الفرنسيين إلا بعدما قررت ذلك كتب التاريخ الفرنسي. واليوم تعترف كل من فرنسا وأسبانيا بالثقافات الموازية في مجتمعاتها وبأن لأصحابها هذه الثقافات هويتهم أيضا. وفي المملكة المتحدة تبرز معالم الثقافة القومية للاسكتلنديين والويلزيين والإيرلنديين، بقدر ما تبرز مثل هذه المعالم لدى الفلمنك في بلجيكا والكتالونيين في جنوب أسبانيا والباسك في شمالها. ثم أن هناك دولاً منقسمة على ذاتها إثنيا (البوسنة)، ودينياً (ايرلندا الشمالية)، وقبلياً (الصومال) بحيث أن تركيب هوية وطنية واحدة لأي منها لا يبدو مهمة ممكنة.

6-4: يقودنا ذلك إلى أمرين أساسيين:

الأول، هو أن تحديد الهوية لم يسبق إقامة الدولة، إنما جرى ذلك في ما بعد، ومن خلال اللغة والثقافة العامة المعتمدة في برامج التعليم والتربية. الثاني، هو أن وحدة الهوية الثقافية ليست شرطاً لا غنى عنه لوحدة الدولة.

6-5: في ضوء هذه المسألة يمكن القول إن بناء الوطن لا يتطلب بالضرورة فرض هوية واحدة على جماعات منقسمة بعمق إثنياً او دينياً، حتى ولو كانت تصورا لهوية جمعية منفصلة عن، أو ناتجة من، مجموع الثقافات المكونة للوطن، مثل السودانوية مثلا. بل إن بناء الوطن يكون بإدارة صيغة العيش الواحد بين هذه الجماعات باعتماد ثقافة احترام الاختلافات والتباينات القائمة بينها.

"ليست الشعوب معادن قابلة للتذويب والانصهار. يمكن أن يلعب العلم بذرات المادة وبأجزاء الذرة ليغيّر من معالمها، أو ليصهرها في مادة أو في مواد أخرى. ولكن عندما يتعلق الأمر بالثقافة وبالخصوصيات الإنسانية، فان عملية الصهر بالقهر أي بالإلغاء والتذويب مآلها الفشل. أمامنا تجربة الاتحاد السوفييتي، وتجربة الاتحاد اليوغوسلافي السابقين، وحتى تجربة تشيكوسلوفاكيا. وما نشاهده اليوم من محاولات لإثبات الثقافية المحلية من سينكيانغ في شرق الصين حتى الباسك في شمال أسبانيا دليل على ذلك. ولا يشفع لمقولة الانصهار القومي (ربما) سوى حسن نيات أصحابها." "25".

6-6: إن التعدد ، مع كل الدراسات التي تناولته، والحبر الذي دلق عليه، ليس هو المشكلة بالضرورة، ولكن المشكلة في كيفية إدارة التعدد بطريقة تحقق الإشباع السياسي والثقافي والاقتصادي لكل المجموعات التي تسكن أرض السودان، وهذا هو الامتحان الذي فشلت فيه النخب السياسية الحاكمة. وهنا يعود المدخل السياسي ليطل برأسه من جديد، مثلما يطل من باب الإشباع المدخل التنموي والثقافي. إنه تكامل المداخل والرؤية المتسعة لأفق المشكلة والصراع.

الهوامش
1 ـ محمد السماك: صحيفة النهار اللبنانية ـ ايسيسكو
2 ـ موقع اليونيسكو على الانترنت www.unisco.org
3 ـ معلومات اليونيسكو، مصدر سابق
4 ـ راجع موقع المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم www.isesco.org.ma
5 ـ وكما ورد في الاطلس فان هناك خمسين لغة مهددة في القارة الاوروبية، بعضها في عداد اللغات المختصرة كما هو الحال في شمال روسيا والبلدان الاسكندنافية. وفي فرنسا وحدها هناك 14 لغة تعيش مرحلة الخطر الحقيقي، اما في سيبيريا فان كل اللغات المحلية، وعددها يقارب الاربعين، هي في طريقها الى الانقراض.
وفي آسيا، لا يزال الوضع غامضا في عدد من مناطق الصين. اما في شبه القارة الهندية، المعروفة بثرائها اللغوي، فقد حافظت معظم اللغات على حيويتها بفضل التوثيق الجيد، والسياسات المتبعة في مجال احترام التنوع الثقافي. مع هذا فان هناك عدداً محدوداً من اللغات الآيلة الى الانقراض في الهمالايا وجبال بامير، في آسيا الوسطى وافغانستان.
وفي منطقة البحر الهادي التي تمتد من اليابان الى استراليا، يتركز ثلث لغات العالم، اغلبها ما زالت حية ونشطة. بيد ان افريقيا هي القارة المجهولة في المجال اللغوي. وما زالت السلطات في عدد من بلدان القارة السوداء تعمل على تعزيز هيمنة اللغات «السائدة»، مثل السواحيلية في شرق افريقيا، واللغات الموروثة من المراحل الاستعمارية. ويقدر الاطلس بان هناك حوالي 250 لغة مهددة في افريقيا، وبين 500 الى 600 لغة في مرحلة تقهقر من اصل 1400 لغة محلية. وفي اميركا الشمالية تمكنت لغات قليلة من الصمود امام زحف الانجليزية والفرنسية. غير ان كندا تعمل منذ سنوات على تشجيع سياسة الحفاظ على اللغات القديمة. ومن اصل 104 لغات هندية ـ اميركية هناك 19 في حالة احتضار و28 لغة مهددة. ولا تزال في الولايات المتحدة 150 لغة هندية قديمة في حالة تشبه الموت، رغم ان سياسة تهميش هذه اللغات اخذت تتراجع في السبعينات من القرن الماضي، قبل ان تعاود هيمنتها خلال الثمانينات مع سياسة «الانجليزية فقط». وتؤكد تجارب العلماء ان بالامكان انقاذ اللغات المهددة او التي في طريقها الى الانقراض، او حتى الميتة، عبر اعتماد سياسة ايجابية، كما حصل في اليابان وانجلترا. لقد كان عدد الناطقين بلغة «الاينو» في جزيرة هوكايرو اليابانية ثمانية اشخاص فقط في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. لكن هذه اللغة بدأت تنتعش مجدداً بعد سنوات من الاقصاء والتجاهل، وجرى افتتاح متحف للغة «الاينو» يقدم دروساً للشبان والشابات المقبلين على تعلمها. وفي انجلترا انقرضت لغة «كورنيك» منذ عام 1777، وتم احياؤها في السنوات الماضية. وهناك اليوم الف ناطق بها كلغة ثانية. راجع www.unisco.org
6 ـ  فيصل محمد صالح: الأبعاد المتعددة للصراع بين جنوب وشمال السودان، ورقة قدمت لمؤتمر "مستقبل السلام في السودان" الذي نظمه مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مع مركز الدراسات السودانية، القاهرة ، مايو 2004
7 ـ أوليفر البينو: The Sudan: A Southern View Point , Oxford University Press
8
ـ فرانسيس دينق: أفارقة بين عالمين ـ 1978 ـ دار جامعة الخرطوم للنشر، ص 227
9 ـ عبد الله علي إبراهيم، الآفروعروبية أو تحالف الهاربين، مجلة المستقبل العربي، 119،1،1989م
ـ وأنظر مثلا محمد عبد الحي في كتابه M.A. Hai; Conflict and Identity: The Cultural Poetics of ContemporarySudanes Poetry, University of Khartoum, Khartoum, 1976
10 ـ حلمى شعراوى ، المسألة السودانية ـ الرؤية من الجنوب ـ مجلة كتابات سودانية ، العدد مارس 2003 ـ ص 28
11 ـ تم توزيع البيان التأسيسي للحركة عبر عدة مواقع بالشبكة العالمية "انترنت" لكن لم يظهر للحركة نشاط سياسي ملحوظ حتى الآن.
12 ـ الواثق كمير "إعداد وتحرير"؛ جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد: قضايا الوحدة والهوية، المجموعة الاستشارية لتحليل السياسات وإستراتيجيات التنمية، القاهرة، بدون تاريخ.
13 ـ أبكر آدم إسماعيل؛ جدلية المركز والهامش، قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان، كتاب تحت الطبع، نشرت أجزاء منه بصحيفة "الصحافة" السودانية.
14 ـ محمد جلال أحمد هاشم؛ منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية، ط(4)، مركز دراسات القومية السودانية، 1999م.
ـ وأنظر أيضا محمد جلال هاشم "السودانوعروبية أو تحالف الهاربين: المشروع الثقافي لعبد الله علي إبراهيم في السودان"، 1998م،ورقة غير منشورة قدمت في ندوة الثقافة والتنمية، القاهرة، 1999م.
15 ـ مصطفى شركيان كاتب وناشط سياسي من جبال النوبة مقيم ببريطانيا. ينشر مساهماته بموقع www.sudanile.com
16 ـ يمكن مراجعة النصوص الإنجليزية الرسمية للبروتكولات بموقع منظمة الإيقاد www.igad.org
17 ـ أبكر، مصدر سابق
18 ـ محمد جلال ، مصدر سابق
19 ـ أنظر الدكتور الباقر العفيف في ورقته (أزمة الهوية في شمال السودان: متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء) بالإنجليزية ، ترجمة الخاتم عدلان
20 ـ عبد العزيز حسين الصاوي، السودان :حوارات الهوية والوحدة الوطنية، مركز الدراسات السودانية ، القاهرة ،
21 ـ الصاوي، مصدر سابق
22 ـ  كمال الجزولي، (للو كنا نسمع او نعقل: جبال النوبا .. الإنجليزية)، سلسلة مقالات في جريدة الرأي العام السودانية نشرها خلال شهري أبريل ومايو 2004
1995
23 ـ بابكر فيصل بابكر، ملاحظات حول خطاب السودان الجديد من وحي قراءة كتاب (حرب أيم) للكاتبة الامريكية ديبورا سكرووجنز، موقع سودانايل على الشبكة العالمية www.sudanile.com .
24 ـ الدكتور عبد الله علي إبراهيم : الرق في السودان : نحو أنثروبولوجيا الخبر : صفحة 75/74 ، الشركة العالمية للطباعة والنشر ، الخرطوم  2003
25 ـ  محمد السماك، مصدر سابق



Source: oldsite.tahalof.info


رأي ـ تعليق  



هل قرأت المقال اعلاه؟   
اكتب    
 
 
 
 
 
  
site created & hosted by